الآخوند الخراساني

51

كفاية الأصول ( تعليق السبزواري )

إلاّ على ما هو المباح من المقدّمات ، دون المحرّمة ، مع اشتراكهما في المقدّميّة . وإطلاق الوجوب بحيث ربما يترشّح منه الوجوب عليها ( 1 ) مع انحصار المقدّمة بها ( 2 ) إنّما هو فيما إذا كان الواجب أهمّ من ترك المقدّمة المحرّمة ; والمفروض هاهنا وإن كان ذلك إلاّ أنّه كان بسوء الاختيار ، ومعه لا تتغيّر عمّا هي عليه من الحرمة والمبغوضيّة ، وإلاّ لكان الحرمة ( 3 ) معلّقةً على إرادة المكلّف واختياره لغيره ، وعدم حرمته مع اختياره له ( 4 ) ، وهو كما ترى ، مع أنّه خلاف الفرض وأنّ الاضطرار يكون بسوء الاختيار ( 5 ) .

--> ( 1 و 2 ) الضميران يرجعان إلى المقدّمة المحرّمة . ( 3 ) هكذا في النسخ . ولكن الصحيح أن يقول : « لكانت الحرمة » . ( 4 ) هكذا في جميع النسخ ، والصحيح أن يقول : « على اختياره له » . ( 5 ) لا يخفى : أنّ العبارة لا تخلو من الغموض ، فيحتاج إلى إيضاح . فنقول : قوله : « وإطلاق الوجوب بحيث . . . انحصار المقدّمة بها » إشارة إلى توهّم . وحاصله : أنّ المقدمّة إذا كانت منحصرة يترشّح إليه الوجوب من ذي المقدّمة ، سواء كانت محرّمة أو مباحة ; والخروج - في المقام - يكون من المقدّمات المنحصرة في التخلّص عن الحرام ; فيترشّح وجوب التخلّص عن الحرام إليه ويصير واجباً . وقوله : « إنّما هو فيما إذا كان الواجب . . . من الحرمة والمبغوضيّة » إشارةٌ إلى دفع التوهّم المذكور . وحاصله : أنّ المقدّمة المحرّمة لا تتّصف بالوجوب إلاّ بعد اجتماع الشروط الثلاثة فيها : الأوّل : أن تكون من المقدّمات المنحصرة ، بأن لا يكون لها عِدلٌ مباحٌ . الثاني : أن يكون فعل الواجب أهمّ من تركها ، كأن يكون الواجب إنقاذ الغريق في ملك الغير ، حيث إنّه أهمّ من حرمة الدخول في ملك الغير من دون إذنه . الثالث : أن لا يكون الاضطرار إلى المقدّمة المحرّمة والانحصار فيها ناشئاً عن سوء الاختيار ، وإلاّ فلا تتغيّر المقدّمة المحرّمة عمّا هي عليه من الحرمة والمبغوضيّة ، ولا تنقلب حرمتها إلى الوجوب . والخروج - في المقام - وإن اجتمع فيه الشرط الأوّل والشرط الثاني ، إلاّ أنّ الشرط الثالث مفقود فيه ، لأنّ المفروض أنّ الاضطرار إليه كان بسوء اختيار المكلّف ، ومعه لا يتغيّر حكم المقدّمة المحرّمة . وقوله : « وإلاّ لكانت الحرمة معلّقةً على إرادة المكلّف واختياره لغيره ، وعدم حرمته على اختياره له » إشارةٌ إلى دليل اعتبار الشرط الثالث في ترشّح الوجوب إلى المقدّمة المحرّمة . وحاصله : أنّه لو تغيّرت حرمة المقدّمة المنحصرة فيما إذا كان الاضطرار إليها بسوء الاختيار ، يلزم أن تكون حرمة المقدّمة - وهي الخروج فيما نحن فيه - وعدم حرمتها معلّقةً على إرادة المكلّف وعدم إرادته . ويقع الكلام في المراد بهذه العبارة وما هو مرجع الضمير في قوله : « لغيره » و « له » ، بأنّه هل يرجع إلى الخروج أو يرجع إلى الدخول ؟ فيه وجوه : الأوّل : أن يرجع الضميران إلى الخروج ، ويكون المراد من غير الخروج هو الدخول ، فيكون المعنى : تكون حرمة الخروج معلّقةً على إرادة المكلّف واختياره الدخول في المغصوب ، وعدم حرمته على اختياره نفس الخروج . وهذا الوجه ما اختاره المحقّق الإصفهانيّ في نهاية الدراية 1 : 554 . الثاني : أن يرجع الضميران إلى الخروج ويكون المراد من غير الخروج هو ترك الدخول . وهذا الوجه ذكره المحقّق الإصفهانيّ ولم يرتض به . الثالث : أن يرجع الضميران إلى الخروج ، ويكون المراد من غير الخروج هو ترك الدخول ، فيكون معناها : تكون حرمة الخروج معلّقةً على اختيار المكلّف تركَ الدخول في المغصوب ، فيكون الخروج والدخول - قبل الدخول - حرامين ، لصدق الغصب عليهما . ويكون عدم حرمته معلّقاً على إرادة المكلّف الخروج بعد ما دخل في المغصوب ، فإنّ الخروج - حينئذ - واجب ، لكونه من المقدّمات المنحصرة . وهذا ما يظهر من كلام العلاّمة المحشّي المشكينيّ في حواشيه على الكفاية - المطبوعة بالطبع الحجريّ - 1 : 265 . الرابع : أن يرجع الضميران إلى الدخول ، ويكون المراد من غير الدخول هو ترك الدخول . وعليه يكون معنى العبارة هكذا : تكون حرمة الخروج معلّقة على إرادة المكلّف غيرَ الدخول ، فإنّه إذا ترك الدخول في المغصوب يكون الخروج المتفرّع على الدخول حراماً ، كما أنّ الدخول فيه أيضاً حرام . ويكون عدم حرمة الخروج معلّقاً على اختياره الدخول ، فإنّه إذا دخل المغصوب يكون الخروج - وهو مقدّمة محرّمة منحصرة للتخلّص عن الحرام - واجباً . وهذا ما اختاره المحشّي القوچانيّ في حاشيته على الكفاية - المطبوعة بالطبع الحجريّ - : 142 . الخامس : أن يرجع الضمير في « لغيره » إلى الدخول ويكون المراد من غير الدخول هو عدم الدخول وتركه ، ويرجع الضمير في « له » إلى الخروج . وهذا أيضاً يحتمل أن يكون مراد المحشّي المشكينيّ . ولا يخفى : أنّ الاحتمالات الثلاثة الأخيرة يرجع كلّها إلى معنى واحد . ولكن الأولى أن يحمل العبارة على الاحتمال الثالث . أمّا الوجه في أولويّته من الاحتمالين الأخيرين أنّه لا يستلزم مخالفة الظاهر من جهة عدم سبق ذكر للدخول كي يعود الضمير إليه . وأمّا الوجه في أولويّته من الاحتمال الأوّل أنّه يستدعي ثبوت الحرمة قبل الدخول وارتفاعها بعد الدخول . وهذا يؤدّي إليه قول الخصم من أنّ الخروج لمّا كان مقدّمةً للتخلّص الأهمّ ارتفعت مبغوضيّته وصارت واجبة . والمصنّف ( رحمه الله ) يكون بصدد ذكر ما يلازمه قول الخصم . وأمّا الوجه في أولويّته من الاحتمال الثاني أنّه لا يرد عليه ما أورده المحقّق الإصفهانيّ . وقوله : « وهو كما ترى » إشارة إلى المحذور الأوّل الّذي يلزم من تعليق حرمة الخروج وعدمها على إرادة المكلّف وعدمها . وحاصله : أنّ إرادة المكلّف ليست من شرائط التكليف ، فلا دخل لها في أحكام الموضوعات . وقوله : « مع أنّه خلاف الفرض . . . » إشارة إلى المحذور الثاني اللازم من التعليق . وحاصله : أنّ المفروض ما إذا كان الاضطرار بسوء الاختيار ، وصدق الاضطرار بسوء الاختيار يتوقّف على حرمة الخروج ، فلو صار الخروج غير محرّم بعد الإرادة فلا اضطرار بالحرام كي يصدق كونه بسوء الاختيار .